داود القيصري

189

شرح تائية ابن الفارض الكبرى

تابعهم . والحكمة الإلهية المقتضية للصفات المتكثرة المتقابلة أجرت الحكم الإلهي وأسماءه وصفاته على أهل العالم ، لذلك تصرفهم في قبضتيّ قدرته كيف ما شاء وأراد . قال صلى اللّه عليه وسلم : « قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء » « 1 » ( وأشار بقوله : ( « ولا ولا » ) إلى ما روى أبو الدرداء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « وإن اللّه تبارك وتعالى خلق آدم فضرب على يساره فأخرج من اليمين ذرية بيضاء كالفضة ومن اليسرى سوداء ، ثم قال : هؤلاء في الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء في النار ولا أبالي » « 2 » . وذلك لاستغناء الذات عن غيرها ، كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [ العنكبوت : الآية 6 ] ، بخلاف الصفة والأسماء فإن كلّا منهما يقتضي من يظهر حكمه . ( ولما كان ما قرره حقا وصدقا والأمر عليه في نفسه ، رغب فيه السالك ، بقوله : ) . 745 - ألا هكذا ، فلتعرف النّفس ، أو فلا ، ويتل بها الفرقان كلّ صبيحة 745 - أي : هكذا ينبغي أن يعرف الطالبون نفوسهم الناطقة ليعرفوا بها ربهم ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » « 3 » ، فإن العارف إذا عرف نفسه أنها جوهر مجرد قائم بذاته موصوف بالصفات الإلهية منعوت بالنعوت الربانية ، ظاهر في صور جميع الموجودات علويها وسفليها ، ويظهر له ربه فيعرف من ربه الذي هو اسم من أسماء الإله رب الأرباب الذي إليه المرجع والمآب . وهكذا ينبغي أن يتلى القرآن في كل صباح ، أي في التدبر والتفكر في معانيه وأسراره ، وإلّا فلا ينبغي أن يشتغل بتلاوته ، إذ لا فائدة له فيها كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « رب قارىء يقرأ القرآن والقرآن يلعنه » « 4 » . 746 - وعرفانها من نفسها ، وهي التي ، على الحسّ ، ما أمّلت مني ، أملت 746 - أي : وعرفان النفس أيضا من ذات النفس لا من الغير ، لأنها هي المدركة لحقائق الأشياء عند تنورها بالنور الإلهي ، وهي التي أملت على الحواس ما أملته مني ، أي رجوته وطلبته من العلوم الدينية والمعارف الحقيقية . ( ثم لما

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 5045 ) . ( 2 ) رواه أحمد في المسند ( 6 / 441 ) . ( 3 ) انظر : كشف الخفاء ( 2 / 343 ، 344 ) ، والمصنوع ( ص 189 ) . ( 4 ) لم أقف عليه في مصادر التخريج .